فصل: باب الْأَحْدَاث:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير



.باب الْأَحْدَاث:

ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا:

.أما الْأَحَادِيث:

فَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا:

.الحديث الأول:

عَن أنس- رَضي اللهُ عَنهُ-: «أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم احْتجم وَصَلى وَلم يتَوَضَّأ، وَلم يزدْ عَلَى غسل محاجمه».
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدارقطني فِي سنَنه: عَن أبي سهل بن زِيَاد، ثَنَا صَالح بن مقَاتل ثَنَا أبي ثَنَا سُلَيْمَان بن دَاوُد أَبُو أَيُّوب، عَن حميد، عَن أنس مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء، إِلَّا أَنه قَالَ: فَصَلى- بِالْفَاءِ، بدل الْوَاو. وَلم يعقبه بتصحيح وَلَا تَضْعِيف.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته: لما عقد الْخلاف بَيْننَا وَبَين أبي حنيفَة فِي نقض الْخَارِج بذلك؛ رَوَى عَن أنس بن مَالك صَرِيحًا- إِن صَحَّ الطَّرِيق فِيهِ إِلَى حميد.
ثمَّ سَاقه من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ الْمَذْكُورَة وَلَفظه.
ثمَّ قَالَ: أَنبأَنَا أَبُو عبد الله الْحَاكِم قَالَ: سَأَلت الدَّارَقُطْنِيّ عَن صَالح بن مقَاتل بن صَالح، فَقَالَ: يحدث عَن أَبِيه، لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وأجمل فِي سنَنه القَوْل بتضعيفه، فَقَالَ: فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ضعف. وَلم يبين سَببه.
وَقَالَ فِي بَاب الْغسْل من غسل الْمَيِّت من سنَنه: صَالح بن مقَاتل بن صَالح، يروي الْمَنَاكِير.
قلت: وَسليمَان بن دَاوُد مَجْهُول، ووالد صَالح لَا يعرف. وَخَالف الْمُنْذِرِيّ فَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب بعد أَن أخرجه من الطَّرِيق الْمَذْكُورَة: إِسْنَاده حسن. وَأغْرب من هَذَا قَول ابْن الْعَرَبِيّ فِي خلافياته أَن الدَّارَقُطْنِيّ رَوَاهُ بِإِسْنَاد صَحِيح. وَمِمَّنْ ضعفه من الْمُتَأَخِّرين: النَّوَوِيّ فَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب: رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وضعفوه. وَلَعَلَّه أَرَادَ تَضْعِيف الدَّارَقُطْنِيّ فِي غير سنَنه. أَو أَرَادَ كَلَامه فِي صَالح، كَمَا نَقله الْحَاكِم فِيمَا أسلفناه عَنهُ، وَذكره فِي خلاصته فِي فصل الضَّعِيف ثمَّ قَالَ: وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ فِي نقض الْوضُوء بالقيء وَالدَّم والضحك فِي الصَّلَاة، وَلَا عدم ذَلِك حَدِيث صَحِيح.
وَقَالَ ابْن الحصَّار فِي كِتَابه تقريب المدارك: لَا يَصح فِي الْوضُوء من الدَّم شَيْء إِلَّا وضوء الْمُسْتَحَاضَة. وَاعْلَم أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَن الْحجامَة لَا تنقض الطَّهَارَة، وَقد عرفت حَاله، ثمَّ قَالَ: وَرَوَى مثل مَذْهَبنَا؛ أَي: فِي أَن الفصد والحجامة وكل خَارج من غير السَّبِيلَيْنِ لَا ينْقض الطَّهَارَة عَن: عبد الله بن عمر وَابْن عَبَّاس، وَابْن أبي أَوْفَى، وَأبي هُرَيْرَة وَجَابِر بن عبد الله وَعَائِشَة رَضي اللهُ عَنهم، وَزَاد النَّوَوِيّ فِي شَرحه: سعيد بن الْمسيب، وَسَالم بن عبد الله بن عمر، وَالقَاسِم بن مُحَمَّد، وطاوسًا، وَعَطَاء، ومكحولاً، وَرَبِيعَة، ومالكًا، وأَبَا ثَوْر، وَدَاوُد.
وَقَالَ الْبَغَوِيّ: وَهُوَ قَول أَكثر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ. وَبسط الْبَيْهَقِيّ دَلَائِل الْمَسْأَلَة فِي خلافياته فِي عدَّة أوراق بأسانيده عَلَى عَادَته، وَرَوَى فِيهَا وَفِي سنَنه من حَدِيث عبيد الله، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر: «أَنه كَانَ إِذا احْتجم غسل محاجمه». وَفِي البُخَارِيّ: وَقَالَ ابْن عمر وَالْحسن فِيمَن يحتجم: «لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غسل محاجمه».
وأسنده ابْن أبي شيبَة عَن عمر بِلَفْظ: «كَانَ إِذا احْتجم غسل أثر محاجمه».
وَكَذَا أسْندهُ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم عَن بعض أَصْحَابهم، عَن عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر: «أَنه كَانَ إِذا احْتجم غسل أثر المحاجم».
وَفِي الْمُحَلَّى لِابْنِ حزم: مَسحه بحصاة فَقَط. وَاحْتج الشَّافِعِي رَضي اللهُ عَنهُ فِي الْمَسْأَلَة؛ بِأَن ابْن عمر عصر بثرة بِوَجْهِهِ فَخرج مِنْهَا دم فدلكه بَين أصبعيه، ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة وَلم يغسل يَده. وَلقَوْل ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهُ: «اغسل أثر المحاجم عَنْك وحسبك».
وبِأَن ابْن الْمسيب: «رعف فَمسح أَنفه بِخرقَة ثمَّ صَلَّى». وَبِأَن الْقَاسِم قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المحتجم وضوء». وسَاق الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته ذَلِك خلا قَول أبي الْقَاسِم بأسانيده؛ ثمَّ رَوَى عَن ابْن مَسْعُود، وَسَالم بن عبد الله، وَطَاوُس «ترك الْوضُوء من الدَّم». زَاد فِي سنَنه: الْحسن؛ وَذكر قَول الْقَاسِم أَيْضا ثمَّ قَالَ: وَاسْتدلَّ أَصْحَابهم بِأَحَادِيث سقيمة رُويَتْ بأسانيد واهية فَذكرهَا وبيَّن عللها.
وَذكر فِي سنَنه عَن معَاذ أَنه قَالَ: «لَيْسَ الْوضُوء من الرعاف والقيء...» إِلَى آخِره.
ثمَّ قَالَ: فِيهِ مطرِّف بن مَازِن وَقد تكلمُوا فِيهِ.

.الحديث الثَّانِي:

عَن جَابر رَضي اللهُ عَنهُ أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «الضحك ينْقض الصَّلَاة وَلَا ينْقض الْوضُوء».
هَذَا الحَدِيث ضَعِيف. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث أبي شيبَة، عَن يزِيد أبي خَالِد، عَن أبي سُفْيَان، عَن جَابر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء. ثمَّ قَالَ: خَالفه إِسْحَاق بن بهْلُول، عَن أَبِيه فِي لَفظه؛
فَرَوَاهُ عَن أبي شيبَة بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور لَكِن بِلَفْظ: «الْكَلَام ينْقض الصَّلَاة وَلَا ينْقض الْوضُوء».
وَرُوِيَ مثل ذَلِك من حَدِيث مُحَمَّد بن يزِيد بن سِنَان، عَن أَبِيه، عَن سُلَيْمَان الْأَعْمَش، عَن أبي سُفْيَان، عَن جَابر رَفعه: «من ضحك مِنْكُم فِي صلَاته فَليَتَوَضَّأ ثمَّ ليعد الصَّلَاة».
ثمَّ قَالَ: قَالَ لنا أَبُو بكر النَّيْسَابُورِي: هَذَا مُنكر، وَالصَّحِيح عَن جَابر خِلَافه.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَيزِيد بن سِنَان ضَعِيف جدًّا وَابْنه ضَعِيف أَيْضا، وَقد وهم فِي هَذَا الحَدِيث فِي موضِعين فِي رَفعه، وَلَفظه وَالصَّحِيح عَن الْأَعْمَش، عَن أبي سُفْيَان، عَن جَابر، من قَوْله: «من ضحك فِي الصَّلَاة أعَاد الصَّلَاة، وَلم يعد الْوضُوء». كَذَلِك رَوَاهُ عَن الْأَعْمَش جمَاعَة من الرفعاء الثِّقَات، مِنْهُم: سُفْيَان الثَّوْريّ، ووكيع، وجماعات عَددهمْ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَة، وَابْن جريج، عَن يزِيد أبي خَالِد، عَن أبي سُفْيَان، عَن جَابر، ثمَّ بسط ذَلِك.
وَلما ذكر الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته من طَرِيق الْأَعْمَش قَالَ، عَن الْحَاكِم: تفرد بِهِ يزِيد بن سِنَان أَبُو فَرْوَة الْكَبِير عَنهُ وَغَيره أوثق عندنَا مِنْهُ، وَكلهمْ ثِقَات إِلَّا هَذَا الْوَاحِد من بَينهم. قَالَ: وَقد خُولِفَ يزِيد فِي مَتنه. قَالَ: وَله شَاهد عَن يزِيد أبي خَالِد، عَن أبي سُفْيَان مُسْندًا إِن سلم الطَّرِيق إِلَيْهِ، ثمَّ أسْندهُ عَن جَابر مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَاضِي: «الْكَلَام ينْقض الصَّلَاة وَلَا ينْقض الْوضُوء». قَالَ: وَرُوِيَ «الضحك» بدل «الْكَلَام».
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِبْرَاهِيم بن عُثْمَان فِي هَذَا الطَّرِيق وَالَّذِي قبله هُوَ أَبُو شيبَة الْعَبْسِي جد أبي بكر عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة غمزه شُعْبَة، وَيَحْيَى بن معِين.
قَالَ: وَرَوَاهُ شُعْبَة، عَن يزِيد أبي خَالِد من قَول جَابر مَوْقُوفا بِلَفْظ: «فِي الضحك وضوء». قَالَ: وَكَذَا رَوَاهُ ابْن جريج. قَالَ: وَرُوِيَ من وَجه آخر صَحِيح عَن جَابر... فَذكره من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة، عَن حبيب الْمعلم، عَن عَطاء، عَن جَابر قَالَ: «كَانَ لَا يرَى عَلَى الَّذِي يضْحك فِي الصَّلَاة وضُوءًا».
قلت: وَأخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَنهُ مُعَلّقا بِصِيغَة جزم، وَلَفظه: وَقَالَ جَابر: «إِذا ضحك فِي الصَّلَاة أعَاد الصَّلَاة وَلم يعد الْوضُوء» وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه: إِن رفع هَذَا الحَدِيث ضَعِيف، وَوَقفه هُوَ الصَّحِيح.
وَمَا نَقَلْنَاهُ فِيمَا سلف من كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ فِي تَضْعِيف يزِيد بن سِنَان، نَقله الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي خلافياته عَنهُ، وَنقل قبله بأسطر عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ فِي مدخله: إِنَّه ثِقَة. قَالَ: وَكَذَا ابْنه يزِيد بن مُحَمَّد، وَإِنَّمَا جده يزِيد بن سِنَان، يروي الْمَنَاكِير الْكثير.
فتلخص من كَلَام هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة ضعف رفع هَذَا الحَدِيث وصِحَة وَقفه.
وَكَذَا نَص عَلَى ذَلِك من الْمُتَأَخِّرين الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فَقَالَ فِي تَحْقِيقه هَذَا الحَدِيث: احْتج بِهِ أَصْحَابنَا. وَقد اخْتلف بِهِ عَن أبي شيبَة، لكنه غلط فِي اسْم أبي شيبَة فِيمَا يظْهر فَقَالَ: إِن اسْمه عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق وَهُوَ ضَعِيف، كَمَا قَالَه يَحْيَى، وَقَالَ أَحْمد: لَيْسَ بِشَيْء، فَذكر الحَدِيث. انْتَهَى.
وَأَبُو شيبَة هَذَا إِنَّمَا هُوَ إِبْرَاهِيم بن عُثْمَان، كَمَا نَص عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ فِيمَا مَضَى. وَقد غمزه غير وَاحِد كَمَا سلف، وَذَاكَ آخر، وَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْكتاب الْمَذْكُور عَن الإِمَام أَحْمد أَنه قَالَ: لَيْسَ فِي الضحك حَدِيث صَحِيح.
قَالَ ذَلِك عَنهُ بعد أَن قَالَ: رُوِيَ مَرْفُوعا من سَبْعَة أوجه ومرسلاً من وُجُوه «الضحك فِي الصَّلَاة ينْقض الْوضُوء وَالصَّلَاة» ثمَّ ذكرهَا يعللها.
وَقَالَ ابْن عدي: كل رُوَاة هَذَا الحَدِيث يرجع إِلَى أبي الْعَالِيَة الريَاحي، وَمن أَجله تكلم فِيهِ.
قَالَ الشَّافِعِي: حَدِيث أبي الْعَالِيَة الريَاحي ريَاح. وقَالَ الذهلي: لم يثبت عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الضحك فِي الصَّلَاة خبر كَمَا نَقله عَنهُ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته.
وَاعْلَم أَن الإِمَام الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى أَن القهقهة لَا تنقض الْوضُوء، إِذا وجدت فِي الصَّلَاة، وَقد علمت حَاله.
وَقد أسلفنا أَيْضا عَن الذهلي أَنه قَالَ: لَا يثبت فِي الضحك فِي الصَّلَاة خبر؛ وَهُوَ كَاف فِي الرَّد عَلَى الْمُخَالف.

.الحديث الثَّالِث:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «توضئوا من لُحُوم الْإِبِل، وَلَا توضئوا من لُحُوم الْغنم».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَله طرق:
أَحدهَا: من رِوَايَة الْبَراء بن عَازِب رَضي اللهُ عَنهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ، وَابْن الْجَارُود فِي المُنْتَقَى، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث الْأَعْمَش، عَن عبد الله بن عبد الله الرَّازِيّ، الثِّقَة، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَنهُ قَالَ: «سُئِلَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل فَقَالَ: توضئوا مِنْهَا. وَسُئِلَ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْغنم فَقَالَ: لَا تتوضئوا مِنْهَا».
هَذَا لفظ التِّرْمِذِيّ وَأبي دَاوُد، وَزَاد «وَسُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي مبارك الْإِبِل فَقَالَ: لَا تصلوا فِي مبارك الْإِبِل؛ فَإِنَّهَا من الشَّيَاطِين. وسُئِل عَن الصَّلَاة فِي مرابض الْغنم فَقَالَ: صلوا فِيهَا؛ فَإِنَّهَا بركَة».
وَأخرج ابْن مَاجَه الْقطعَة الأولَى من روايتي التِّرْمِذِيّ وَأبي دَاوُد، وَلَفظ ابْن الْجَارُود فِي المُنْتَقَى: «جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أأصلي فِي مبارك الْإِبِل؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أفأتوضأ من لحومها؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أُصَلِّي فِي مرابض الْغنم؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أفأتوضأ من لحومها؟ قَالَ: لَا».
وَلَفظ ابْن حبَان: «سُئِلَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم...» فَذكره بِمثلِهِ إِلَّا أَنه قَالَ: «أعطان» بدل «مبارك».
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده بِلَفْظ: «سُئِلَ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل فَأمر بِهِ، وَسُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي مبارك الْإِبِل فَنَهَى عَنْهَا». وَفِي رِوَايَة لَهُ: «سُئِلَ عَن الْوضُوء من لُحُوم الْغنم فرخّص فِي الْوضُوء مِنْهَا، وَسُئِلَ عَن الصَّلَاة فِي مرابضها فَرخص فِيهَا».
وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده بِلَفْظ: «سُئِلَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل فَقَالَ: توضئوا مِنْهَا».
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: بَلغنِي عَن أَحْمد بن حَنْبَل، وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، أَنَّهُمَا قَالَا: قد صَحَّ فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث الْبَراء بن عَازِب، وَحَدِيث جَابر بن سَمُرَة.
قَالَ: وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لم أر خلافًا بَين عُلَمَاء الحَدِيث أَن هَذَا الْخَبَر صَحِيح، من جِهَة النَّقْل لعدالة ناقليه، يَعْنِي: حَدِيث الْبَراء.
قلت: وَهَذِه الْمقَالة رَأَيْتهَا فِي صَحِيحه أَعنِي: صَحِيح ابْن خُزَيْمَة.
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: رَوَى هَذَا الحَدِيث أَيْضا: الْحجَّاج بن أَرْطَاة، عَن عبد الله بن عبد الله، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن أسيد بن حضير. وَالصَّحِيح: حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن الْبَراء، وَهُوَ قَول أَحْمد وَإِسْحَاق قَالَ: وَرَوَى عُبَيْدَة الضَّبِّيّ، عَن عبد الله الرَّازِيّ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن ذِي الْغرَّة- يَعْنِي: عَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم.
قَالَ: وَرَوَى حَمَّاد بن سَلمَة هَذَا الحَدِيث، عَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة فَأَخْطَأَ فِيهِ، فَقَالَ: عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن أَبِيه، عَن أسيد بن حضير. قَالَ: وَالصَّحِيح عَن عبد الله بن عبد الله، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى، عَن الْبَراء. يَعْنِي السالف وَكَذَا قَالَ فِي علله وَزَاد بِأَن ذَا الْغرَّة لَا يُدْرَى من هُوَ.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: الْحجَّاج ضَعِيف، وَذُو الْغرَّة لَا يُدْرَى من هُوَ، وَعبيدَة الضَّبِّيّ لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وَذكر ابْن أبي حَاتِم أَنه سَأَلَ أَبَاهُ عَنهُ بعد ذكر هَؤُلَاءِ الرِّوَايَات الثَّلَاث أَعنِي رِوَايَة الْبَراء، وَأسيد، وَذي الْغرَّة فَقَالَ: مَا رَوَاهُ الْأَعْمَش عَن عبد الله بن عبد الله عَن عبد الرَّحْمَن، عَن الْبَراء مَرْفُوعا، وَالْأَعْمَش أحفظ. وَهُوَ مُوَافق لمقالة التِّرْمِذِيّ السَّابِقَة.
الطَّرِيق الثَّانِي: من رِوَايَة جَابر بن سَمُرَة رَضي اللهُ عَنهُ رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث جَعْفَر بن أبي ثَوْر عَنهُ «أَن رجلا سَأَلَ رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: أأتوضأ من لُحُوم الْغنم؟ قَالَ: إِن شِئْت فَتَوَضَّأ، وَإِن شِئْت فَلَا تتوضأ. قَالَ: أتوضأ من لُحُوم الْإِبِل؟ قَالَ: نعم؛ فَتَوَضَّأ من لُحُوم الْإِبِل. قَالَ: أأصلي فِي مرابض الْغنم؟ قَالَ: نعم. قَالَ: أأصلي فِي مبارك الْإِبِل؟ قَالَ: لَا».
قَالَ ابْن حبَان: جَعْفَر هَذَا هُوَ أَبُو ثَوْر بن عِكْرِمَة؛ فَمن لم يحكم صناعَة الحَدِيث توهم أَنَّهُمَا رجلَانِ مَجْهُولَانِ. وأمّا عَلّي بن الْمَدِينِيّ فَقَالَ: جَعْفَر هَذَا رجل مَجْهُول، وَقد شَفَى فِي ذَلِك الْبَيْهَقِيّ.
وَصحح الحَدِيث أَيْضا مَعَ مُسلم: أَحْمد، وَإِسْحَاق- كَمَا أسلفناه عَنْهُمَا- وَابْن مَنْدَه أَيْضا. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ فِي علله: أَخطَأ شُعْبَة، فِي حَدِيث سماك، عَن جَعْفَر بن أبي ثَوْر، عَن جَابر «فِي الْوضُوء من لُحُوم الْإِبِل» فَقَالَ: عَن سماك عَن أبي ثَوْر. قَالَ: وجعفر بن أبي ثَوْر رجل مَشْهُور، رَوَى عَنهُ سماك وَغَيره، وَهُوَ من ولد جَابر بن سَمُرَة.
الطَّرِيق الثَّالِث: من رِوَايَة ابْن عمر رَضي اللهُ عَنهما رَوَاهَا ابْن مَاجَه من حَدِيث بَقِيَّة، عَن خَالِد بن يزِيد بن عمر بن هُبَيْرَة الْفَزارِيّ، عَن عَطاء بن السَّائِب، قَالَ: سَمِعت محَارب بن دثار قَالَ: سَمِعت ابْن عمر يَقُول: سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: «توضئوا من لُحُوم الْإِبِل، وَلَا تتوضئوا من لُحُوم الْغنم. وَتَوَضَّئُوا من ألبان الْإِبِل، ولاتتوضئوا من ألبان الْغنم. وصلوا فِي مُراح الْغنم، وَلَا تصلوا فِي معاطن الْإِبِل».
قَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَمِعت أبي يَقُول: كنت أنكر هَذَا الحَدِيث؛ لِتَفَرُّدِهِ، فَوجدت لَهُ أصلا: نَا ابْن الْمُصَفَّى، عَن بَقِيَّة، حَدثنِي فلَان- سَمَّاهُ- عَن عَطاء بن السَّائِب، عَن محَارب بن دثار، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، بِنَحْوِهِ.
وحَدثني عبيد الله بن سعد الزُّهْرِيّ، حَدثنِي عمي يَعْقُوب، عَن أَبِيه، عَن ابْن إِسْحَاق، حَدثنِي عَطاء بن السَّائِب الثَّقَفِيّ، أَنه سمع محَارب بن دثار يذكر، عَن ابْن عمر، بِنَحْوِ هَذَا وَلم يرفعوه. قَالَ أبي: حَدِيث ابْن إِسْحَاق أشبه مَوْقُوف.

.الحديث الرَّابِع:

عَن جَابر رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ: «كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الْأَئِمَّة من حَدِيث عَلّي بن عَيَّاش- بالشين الْمُعْجَمَة- ثَنَا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، عَن جَابر مَرْفُوعا بِهِ.
رَوَاهُ كَذَلِك أَبُو دَاوُد عَن مُوسَى بن سهل الرَّمْلِيّ، عَن عَلّي بِهِ، إِلَّا أَنه قَالَ: «غيرت» بدل «مست».
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه الْكَبِير وَالصَّغِير عَن عَمْرو بن مَنْصُور، عَن عَلّي بِهِ بِاللَّفْظِ الأول الَّذِي ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ.
وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه عَن ابْن خُزَيْمَة إِمَام الْأَئِمَّة، عَن مُوسَى بن سهل الْمَذْكُور أَولا. وبلفظ النَّسَائِيّ، ثمَّ رَأَيْته بعد ذَلِك فِي صَحِيح ابْن خُزَيْمَة كَمَا رَوَاهُ ابْن حبَان عَنهُ.
قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا اخْتِصَار من الحَدِيث الأول؛ يَعْنِي من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، عَن جَابر حَيْثُ «قَرَّب للنَّبِي خبْزًا وَلَحْمًا فَأكل، ثمَّ دَعَا بِوضُوء فتوضَّأ ثمَّ صَلَّى الظّهْر، ثمَّ دَعَا بِفضل طَعَامه فَأكل ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة وَلم يتَوَضَّأ».
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله: سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث يَعْنِي: حَدِيث «ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار» فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُضْطَرب الْمَتْن؛ إِنَّمَا هُوَ «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أكل كَتفًا وَلم يتَوَضَّأ» كَذَا رَوَاهُ الثِّقَات، عَن ابْن الْمُنْكَدر، عَن جَابر؛ وَيُمكن أَن يكون شُعَيْب حدث بِهِ من حفظه فَوَهم فِيهِ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: إِنَّمَا هُوَ «أَن النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أكل كَتفًا ثمَّ صَلَّى وَلم يتَوَضَّأ».
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي كِتَابه الإِمام: الَّذِي ذكره أَبُو دَاوُد أقرب مِمَّا قَالَه أَبُو حَاتِم؛ فَإِن المتنين متباعدي اللَّفْظ أَعنِي قَوْله: «آخر الْأَمريْنِ» وَقَوله: «أكل كَتفًا ثمَّ صَلَّى وَلم يتَوَضَّأ» وَلَا يجوز التَّعْبِير بِأَحَدِهِمَا عَن الآخر والانتقال من أَحدهمَا إِلَى الآخر؛ إِنَّمَا يكون عَن غَفلَة شَدِيدَة، وَأما مَا ذكره أَبُو دَاوُد من أَنه اخْتِصَار من حَدِيثه الأول فأقرب لِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون قد عبَّر بِهَذِهِ الْعبارَة عَن مَعْنَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى.
قلت: وَفِي التَّعْبِير أَيْضا بذلك نظر، إِلَّا أَن تكون تِلْكَ الْحَالة آخر الْأَمر عِنْده؛ فَعبر بهَا. ونحا ابْن حبَان فِي صَحِيحه إِلَى مقَالَة أبي دَاوُد السالفة، فَقَالَ: هَذَا خبر مُخْتَصر من حَدِيث طَوِيل، اخْتَصَرَهُ شُعَيْب بن أبي حَمْزَة مُتَوَهمًا نسخ إِيجَاب الْوضُوء مِمَّا مسته النَّار مُطلقًا، وَإِنَّمَا هُوَ نسخ لإِيجَاب الْوضُوء مِمَّا مست النَّار خلا لحم الْجَزُور.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي إِعْلَامه بناسخ الحَدِيث ومنسوخه: حَدِيث جَابر هَذَا وَمَا رُوِيَ مثله كَحَدِيث مُحَمَّد بن مسلمة كَانَ آخر الْأَمريْنِ من النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم: ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار. وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِفِعْلِهِ، وَلم يتَوَضَّأ مفصحة بالنسخ ودالة عَلَى أَن مَا عارضها مَنْسُوخ، كَحَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمَرْفُوع: «توضئوا مِمَّا مسته النَّار».
وَحَدِيث عَائِشَة: «مَا ترك رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم الْوضُوء مِمَّا مست النَّار حَتَّى قبض». وَقَالَ الْجوزجَاني فِي مَوْضُوعَاته: حَدِيث عَائِشَة هَذَا بَاطِل، وَحَدِيث جَابر يُخَالِفهُ وَهُوَ صَحِيح.
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَقد رُوِيَ لنا حَدِيث يدل عَلَى أَن المُرَاد بِالْوضُوءِ: غسل الْيَد؛ فَحِينَئِذٍ لَا يتَوَجَّه نسخ، ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث النَّضر بن طَاهِر، عَن عبيد الله بن عكراش، عَن أَبِيه «أَنه أكل مَعَ النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي قَصْعَة من ثريد، ثمَّ أُتِي بِمَاء فَغسل يَده وفمه، وَمسح بِوَجْهِهِ وَقَالَ: يَا عِكْراش، هَذَا الْوضُوء مِمَّا مست النَّار». رَوَاهُ ابْن شاهين، عَن هَارُون بن أَحْمد النجراني، عَن النَّضر بِهِ.
قلت: وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث الْعَلَاء بن الْفضل، عَن عبيد الله بِهِ، وَفِيه: «فَغسل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم يَده ثمَّ مسح ببلل كفيه وَجهه وذراعيه وَرَأسه، ثمَّ قَالَ: يَا عِكْراش، هَكَذَا الْوضُوء مِمَّا غيرت النَّار». وَعبيد الله هَذَا ضَعِيف. قَالَ البُخَارِيّ: فِيهِ نظر، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَجْهُول. وَقَالَ ابْن حبَان: مُنكر الحَدِيث.
وَأخرج التِّرْمِذِيّ طرفا مِنْهُ وَهُوَ: أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهُ فِي الثَّرِيد: «كل من مَوضِع واحدٍ». ثمَّ قَالَ: غَرِيب تفرد بِهِ الْعَلَاء.
قلت: هُوَ صَدُوق؛ لَكِن قَالَ ابْن حبَان: كَانَ مِمَّن ينْفَرد بأَشْيَاء مَنَاكِير عَن أَقوام مشاهير، لَا يُعجبنِي الِاحْتِجَاج بأخباره الَّتِي انْفَرد بهَا، فَأَما مَا وَافق الثِّقَات فَإِن اعْتبر بهَا مُعْتَبر لم أر بذلك بَأْسا.
وَاعْلَم أَن الرَّافِعِيّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- ذكر الحَدِيث الَّذِي قبل هَذَا دَلِيلا لمن قَالَ بِالْوضُوءِ من أكل لحم الْجَزُور. ثمَّ ذكر حَدِيث جَابر هَذَا فِي أَنه لَا يتَوَضَّأ مِنْهُ.
وَقد أسلفت لَك من كَلَام أبي حَاتِم بن حبَان أَن شُعَيْب بن أبي حَمْزَة اخْتَصَرَهُ مُتَوَهمًا نسخ إِيجَاب الْوضُوء مِمَّا مست النَّار مُطلقًا وَإِنَّمَا هُوَ نسخ لإِيجَاب الْوضُوء مِمَّا مست النَّار خلا لحم الْجَزُور.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يحسن من الرَّافِعِيّ الرَّد بِهِ عَلَى الْمُخَالف؛ لِأَن جِهَة كَونه ممسوسًا بالنَّار غير جِهَة كَونه لحم جزور، وَمن أوجب الْوضُوء مِنْهُ لَا يَجْعَل سَببه ممسوسًا بالنَّار؛ بل كَونه لحم جزور مُطلقًا فمنتقض مُطلقًا.

.الحديث الخَامِس:

«أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي الرجل يُصِيبهُ الْمَذْي: ينضح فرجه وَيتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا من رِوَايَة عَلّي رَضي اللهُ عَنهُ قَالَ: «كنت رجلا مذاء؛ فَاسْتَحْيَيْت أَن أسأَل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم لمَكَان ابْنَته، فَأمرت الْمِقْدَاد بن الْأسود. فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ».
وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ: «تَوَضَّأ واغسل ذكرك» وفيهَا: «فَأمرت رجلا» وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «تَوَضَّأ وانضح فرجك» وَهِي مُنْقَطِعَة كَمَا نبه عَلَيْهَا الدَّارَقُطْنِيّ، وَقد بيّنت ذَلِك فِي كتَابنَا الْإِعْلَام بفوائد عُمْدَة الْأَحْكَام وَذكرت فِيهِ الْجمع بَين رِوَايَة الصَّحِيحَيْنِ: «فَأمرت الْمِقْدَاد» وَرِوَايَة أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان: «فَأمر عمار بن يَاسر» وَرِوَايَة ابْن خُزَيْمَة: «أَن عليًّا سَأَلَ بِنَفسِهِ» وَغير ذَلِك من الْفَوَائِد، فَبلغ الْكَلَام عَلَيْهِ نَحْو كراسة؛ فسارع إِلَى اقتناص ذَلِك مِنْهُ، وَذكرت فِيهِ أَيْضا أَن فِي أبي دَاوُد الْأَمر بِغسْل الْأُنْثَيَيْنِ مَعَ الذّكر، وَأَنَّهَا مُنْقَطِعَة؛ لِأَنَّهَا من حَدِيث عُرْوَة عَن عليّ، وَعُرْوَة لم يسمع مِنْهُ.
قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي مراسيله: سَمِعت أبي يَقُول: عُرْوَة عَن عليّ مَرَاسِيل.
وَقَالَ عبد الْحق أَيْضا: لم يسمع مِنْهُ، قَالَ: وَالْمَحْفُوظ من رِوَايَة الثِّقَات أَنه قَول عُرْوَة. قَالَ: وَلَا يَصح أَيْضا عَن غَيره. ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق أبي دَاوُد، عَن مُعَاوِيَة بن صَالح، عَن الْعَلَاء، عَن الْحَارِث، عَن حرَام بن حَكِيم، عَن عَمه عبد الله بن سعد قَالَ: «سَأَلت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن المَاء يكون بعد المَاء قَالَ: ذَاك الْمَذْي، وكل فَحل يمذي؛ فتغسل من ذَلِك فرجك وأنثييك وَتَوَضَّأ وضوءك للصَّلَاة» ثمَّ قَالَ: لَيْسَ يَصح غسل الْأُنْثَيَيْنِ، وَلَيْسَ يحْتَج بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي ذَلِك. وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي كِتَابه: كَذَا قَالَ عبد الْحق، وَهُوَ كَذَلِك، وَلَكِن بَقِي عَلَيْهِ أَن يبين مِنْهُ مَوضِع الْعلَّة، وَهُوَ الْجَهْل بِحَال حرَام بن حَكِيم الدِّمَشْقِي، وَهُوَ حرَام- بالراء بعد الْحَاء- وَقد يصحف بحزام بن حَكِيم- بالزاي بعد الْحَاء الْمَكْسُورَة- وَكِلَاهُمَا فِي طبقَة وَاحِدَة. وَقَالَ: عَلَيْهِ مُؤَاخذَة فِي ذَلِك؛ فَإِنَّهُ يقبل رِوَايَة المستور، وَحرَام هَذَا رَوَى عَنهُ الْعَلَاء بن الْحَارِث وَزيد بن وَاقد وَعبد الله بن الْعَلَاء، وَرَوَى أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة.
قلت: كَذَا نسب ابْن الْقطَّان حرَام بن حَكِيم إِلَى الْجَهَالَة، وَأقرهُ عَلَى ذَلِك الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمام وَلَيْسَ كَذَلِك؛ فقد وَثَّقَهُ دُحَيْم كَمَا أَفَادَهُ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي تهذيبه، وَابْن حزم؛ فَإِنَّهُ ضعفه، ثمَّ ظَفرت بعد ذَلِك بطريقة خَالِيَة من الِانْقِطَاع الْمَذْكُور وَعَن حرَام هَذَا فِي صَحِيح أبي عوَانَة رَوَاهَا من حَدِيث سُلَيْمَان بن حَيَّان، عَن هِشَام بن حسان، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَن عُبَيْدَة السَّلمَانِي، عَن عَلّي قَالَ: «كنت رجلا مذاء، فَاسْتَحْيَيْت أَن أسأَل رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم، فَأرْسلت الْمِقْدَاد فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: يغسل أنثييه وَذكره وَيتَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة» وَذكرت هَذِه الْفَائِدَة أَيْضا فِي الشَّرْح الْمَذْكُور، وَللَّه الْحَمد.

.الحديث السَّادِس:

أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: «لَا وضوء إِلَّا من صَوت أَو ريح».
هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْأَئِمَّة: أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة رَضي اللهُ عَنهُ بِإِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات، وَرَوَاهُ أَبُو عبيد فِي كتاب الطّهُور بِزِيَادَة وَلَفظه: «لَا وضوء إِلَّا من حدث أَو صَوت أَو ريح».
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته: هَذَا حَدِيث ثَابت قد اتّفق الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاج مَعْنَاهُ من حَدِيث عبد الله بن زيد.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: إِسْنَاد حسن ثَابت. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين الْقشيرِي فِي الإِمام: إِسْنَاده عَلَى شَرط مُسلم. قَالَ: وَهُوَ- وَالله أعلم- مُخْتَصر بِالْمَعْنَى من حَدِيث أطول مِنْهُ أخرجه مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «إِذا وجد أحدكُم فِي بَطْنه شَيْئا فأشكل عَلَيْهِ أخرج مِنْهُ شَيْء أم لَا؛ فَلَا يخْرجن من الْمَسْجِد حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا».
قلت: قد سبق إِلَى هَذَا، قَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَمِعت أبي- وَذكر حَدِيث شُعْبَة، عَن سُهَيْل، عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «لَا وضوء إِلَّا من صَوت أَو ريح» قَالَ أبي: هَذَا وهم، اختصر شُعْبَة متن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: «لَا وضوء إِلَّا من صَوت أَو ريح» وَرَوَاهُ أَصْحَاب سُهَيْل، عَن سُهَيْل، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «إِذا كَانَ أحدكُم فِي الصَّلَاة فَوجدَ ريحًا من نَفسه؛ فَلَا يخرج حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا».
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه هَذَا حَدِيث مُخْتَصر، وَتَمَامه، فِيمَا أخبرنَا أَبُو عبد الله، وَذكر الحَدِيث. وَفِي كَونه مُخْتَصرا مِنْهُ نظر؛ إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لوجد فِي الثَّانِي مَعَ زِيَادَة، وَعُمُوم الْحصْر الْمَذْكُور فِي الأول لَيْسَ فِي الثَّانِي؛ فَالظَّاهِر اخْتِلَافهمَا.
قلت: وَقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث أَيْضا من غير طَرِيق أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث ابْن لَهِيعَة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن مَالك، أَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء حَدثهمْ قَالَ: رَأَيْت السَّائِب يشم ثَوْبه، فَقلت لَهُ فَلم ذَلِك؟ قَالَ: لِأَنِّي سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم يَقُول: «لَا وضوء إِلَّا من ريح أَو سَماع» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه، وَابْن قَانِع فِي مُعْجم الصَّحَابَة، وَأَبُو أَحْمد فِي كِتَابه من حَدِيث هِشَام- يَعْنِي ابْن عمار- ثَنَا إِسْمَاعِيل- يَعْنِي ابْن عَيَّاش-، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن عبيد الله، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو قَالَ: «رَأَيْت السَّائِب بن خباب وَهُوَ يشم ثِيَابه، فَقلت لَهُ: مِم ذَاك أصلحك الله؟ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآله وَسلم يَقُول: لَا وضوء إِلَّا من ريح أَو سَماع».